الشخصية القناع بين الذات والموضوع - دراسة نقدية تحليلية Masked Character between Subject & Object - Critical and Analytical Study –

نوع المستند : بحوث علمية محکمة

المؤلف

مدرس بکلية الآداب، جامعة الإسکندرية، قسم الدراسات المسرحية

المستخلص

إذا کان القناع المادي الذي يرتديه الممثل قد استخدم لتحقيق وظائف محددة، تطورت عبر العصور الدرامية، فإن الباحث في دراسته هذه يتناول القناع غير المادي، أي القناع الذي تصطنعه الشخصيه، مستخدمة أدواتها الداخلية والخارجية للتقنع خلف شخصية أخري متخيلة، أو يتقنع المؤلف نفسه خلف أحد شخصياته ليعبر من خلالها عن أفکاره، والقيم التي يتبناها، ورؤيته للعالم، أو تتقنع الأفکار والأيديولوجيات خلف الشخصيات المسرحية، بحيث تصبح الشخصيات قناعاً للأفکار والقيم والموضوعات.
وقد توصل الباحث إلى أن الشخصية القناع تکنيک مسرحي استخدم في معظم الاتجاهات المسرحية لتحقيق مجموعة من الأهداف الجمالية والمضمونية، فالآخر التاريخي أو الميتافيزيقي أو التراثي أو الفلسفي أو الواقعي، يمکن استدعاؤه کقناع تلبسه الشخصية لتحقيق صيغ جدلية للبرهنة علي صحة بعض المقولات، ومناقشة عدد من القضايا، وتطرح إشکالية الأنا / القناع نفسها باعتبارها علاقة جدلية تعکس موقف (الذات/لابس القناع) من الموضوع الخارجي الذي يجري تشخصيه وتقمصه (القناع)، کما يعکس الموقف النقدي المتبادل بين القناع ومن يرتديه عدداً من المقولات التي تتأسس عليها الرؤية الفکرية للمؤلف.
وفي هذه الحالة فإن الکاتب يقحم عناصر ذاتية محضة علي عمله الأدبي، ويحاول التمويه علي هذه العناصر عن طريق تکامل أبعاد الشخصية، التي يتخذها قناعاً له و اتساقها مع الأفکار التي يراد التعبير عنها، بحيث يتحقق استقلالها الشکلي عن ذات المؤلف.
 ومن خلال التطبيق على نماذج من اتجاهات مختلفة في الکتابة المسرحية، توصل الباحث إلى الآتي:
في المسرح التعبيري، يعبر المؤلف عن ذاته، فتتوحد شخصية المؤلف مع شخصية البطل، ويصبح البطل قناعاً للمؤلف ذاته، فشخصية البطل تعبر عن المنظور الفکري للمؤلف، وتعکس أحواله الذهنية والعاطفية، وعلى ذلک، فإن تياري الوعي والشعور للمؤلف يتحرکان في نفس المسارات التي يتحرک فيهما تياري الوعي والشعور عند البطل، وهذا ما يتضح من خلال تحليل مسرحية "بعل" لبريخت، فقد توصل الباحث إلى أن شخصية "بعل" لم تکن إلا قناعاً تخفى وراءه "بريخت" ليعرض مفاهيمه الخاصة تجاه ما کان يموج في عصره من أفکار، تدعو إلى التمرد على کل المواضعات الفکرية والدينية والسياسية، وقد جعل "بريخت" من بطله نسخة تکاد أن تکون مطابقة له من حيث المرحلة العمرية، وطبيعة الأفکار التي کان يؤمن بها.
وفي المسرح الوجودي، ومن خلال تحليل مسرحية "المومس الفاضلة" لسارتر – توصل الباحث إلى أن الشخصية القناع في المسرحية الوجودية تتخذ موقفا وجودياً مطابقاً لموقف المؤلف في مواجهة العالم، وفي مواجهة الأنا الأخرى طرف معادلة الصراع. ففي هذه المسرحية يتقنع "سارتر" من وراء القناع/ليزي، وهي الشخصية التي حمّلها بموقف الأنا الوجودية المادية التي تصنع هويتها عبر مواجهتها للموجود للآخر. إن (ليزي) تتمرد على القيم ا لمجتمعية والدينية التي تواضع عليها المجتمع، وتحاول استمالة (الآخر/ فريد) ودفعه إلي منطقها الوجودي، وتحضه علي نبذ القيم الجمعية التي لا تقبلها.
وفي المسرح الذهني، يمکن اتخاذ مسرحية: "نيکسون .. نيکسون" لراسل لينر" نموذجاً للتشخيص عبر الأقنعة، تعبيراً عن المواقف والمواقع والأدوار من وراء تلک الأقنعة، حيث يتداخل تيار الشعور مع تيار الوعي لدي الشخصية القناع، ليکشف حديث الشخصية عن ذاتيتها خلف القناع الذي تخفت خلفه، ويشف القناع عن تيار وعي يقوده التفکير الحذر المدقق فيما تذکره عن الشخصية الأخرى التي تقنعت بقناعها.
وقد استعان کتاب المسرح المصري بتقنية الشخصية/القناع في عدد من مسرحياتهم، وهو ما نجده – على سبيل المثال - في مسرحية "بجماليون" لتوفيق الحکيم، حيث نجد الکاتب يعرض أراءه وقيمه وتجاربه الحياتية في مسرحيته من خلال الشخصية القناع/ بيجماليون، إلا أنه نجح في الحفاظ على استقلالية شخصية بيجماليون، نظراً لبراعة الحکيم في تصويرها، فقد توارت العناصر الذاتية خلف الشخصية القناع/بيجماليون.
کذلک يعرض يوسف إدريس في مسرحيته الفرافير، فقد ناقش المؤلف في مسرحيته الأفکار المرتبطة بالفلسفة الوضعية والوجودية، أي فکرتي ( الجبر والاختيار)، واستعان بقناعين: المؤلف (قناع الفلسفة الوضعية) والفرفور (قناع الفلسفة الوجودية)، ومن خلال الجدل بين الشخصيتين، يعرض إدريس الفلسفتين بطريقة الالتباس الجدلي.
 وقد خلص الباحث من دراسته إلى أنه يمکن إيجاز الأسباب التي تبرر الالتجاء إلي هذه التقنية في الآتي :
-                      التموية علي الذات وإخفاء ملامحها.
-                      اکتساب هوية مغايرة.
-                      تشخيص الأفکار والقيم المجردة.
-                      التعبير عن المقولات الفکرية للکاتب واتجاهاته الفکرية والأيديولوجية وتجاربه الحياتية.
-                      توظيف الجماليات الفنية التي ترتبط بازدواجية الأنا والقناع في المسرح.

الكلمات الرئيسية

الموضوعات الرئيسية